ابن قيم الجوزية
416
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قوله : « فإن التوكل بعد وقوع السبب ، والتفويض قبل وقوعه وبعده » . يعني بالسبب : الاكتساب . فالمفوض قد فوض أمره إلى اللّه قبل اكتسابه وبعده . والمتوكل قد قام بالسبب . وتوكل فيه على اللّه . فصار التفويض أوسع . فيقال : والتوكل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده . فيتوكل على اللّه أن يقيمه في سبب يوصله إلى مطلوبه . فإذا قام به توكل على اللّه حال مباشرته . فإذا أتمه توكل على اللّه في حصول ثمراته . فيتوكل على اللّه قبله ، ومعه ، وبعده . فعلى هذا : هو أوسع من التفويض على ما ذكر . قوله : « وهو عين الاستسلام » أي التفويض عين الانقياد بالكلية إلى الحق سبحانه . ولا يبالي أكان ما يقضي له الخير ، أم خلافه « 1 » ؟ والمتوكل يتوكل على اللّه في مصالحه . وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكل . ورفع مقام التفويض عليه . وجوابه من وجهين : أحدهما : أن المفوض لا يفوض أمره إلى اللّه إلا لإرادته أن يقضي له ما هو خير له في معاشه ومعاده . وإن كان المقضيّ له خلاف ما يظنه خيرا . فهو راض به . لأنه يعلم أنه خير له . وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه . وهكذا حال المتوكل سواء . بل هو أرفع من المفوض . لأن معه من عمل القلب ما ليس مع المفوض . فإن المتوكل مفوض وزيادة . فلا يستقيم مقام المتوكل إلا بالتفويض . فإنه إذا فوّض أمره إليه اعتمد بقلبه كله عليه بعد تفويضه . ونظير هذا : أن من فوض أمره إلى رجل ، وجعله إليه . فإنه يجد من نفسه - بعد تفويضه - اعتمادا خاصا ، وسكونا ، وطمأنينة إلى المفوض إليه أكثر مما كان قبل التفويض . وهذا هو حقيقة التوكل . الوجه الثاني : أن أهم مصالح المتوكل : حصول مراضي محبوبه ومحابّه . فهو يتوكل عليه في تحصيلها له . فأي مصلحة أعظم من هذه ؟ . وأما التفويض : فهو تفويض حاجات العبد المعيشية وأسبابها إلى اللّه . فإنه لا يفوض إليه محابه . والمتوكل يتوكل عليه في محابه . والوهم إنما دخل من حيث يظن الظانّ : أن التوكل مقصور على معلوم الرزق ، وقوة البدن ، وصحة الجسم . ولا ريب أن هذا التوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في إقامة الدين والدعوة إلى اللّه . قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : أن يعلم أن العبد لا يملك قبل عمله استطاعة . فلا يأمن من مكر . ولا ييأس من معونة . ولا يعوّل على نية » . أي يتحقق أن استطاعته بيد اللّه ، لا بيده . فهو مالكها دونه . فإنه إن لم يعطه الاستطاعة فهو عاجز . فهو لا يتحرك إلا باللّه ، لا بنفسه . فكيف يأمن المكر . وهو محرّك لا محرّك ؟ يحركه من حركته بيده ، فإن شاء ثبّطه وأقعده مع القاعدين . كما قال فيمن منعه هذا التوفيق وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [ التّوبة : 46 ] .
--> ( 1 ) كل ما يقضي اللّه الرحمن الرحيم للعبد فهو الخير له . والشر ليس إلى اللّه سبحانه .